• ×

08:54 مساءً , الخميس 7 صفر 1442 / 24 سبتمبر 2020

قائمة

جديد الأخبار

نظمت الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بمنطقة المدينة المنورة " مسيرة..

رئيس مركز الأصيحر يهنئ القيادة باليوم الوطني 90

صوت المدينة - المدينة المنورة: شارك طلاب المنح الدوليين بالجامعة الإسلامية..

صوت المدينة - المدينة المنورة: أطلقت جامعة طيبة بمناسبة اليوم الوطني الـ 90 "..

صوت المدينة - المدينة المنورة: شرعت أمانة منطقة المدينة المنورة في تطوير وتنفيذ..

صوت المدينة - المدينة المنورة: أنهت أمانة المدينة المنورة تزين الطرق والميادين..

ليلة في العشّة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
صوت المدينة - فوزية الشيخي





حدثت لي قصَّة منذ الصغر في احدى قُرى الجنوب ولا زلت أتذكّر أحداث تلك القصَّة حتى الآن.

منذ زمن مضى قرّر والدي الذهاب إلى القرية الّتي نشأ بها وترعرع

لزيارة شقيقته وزوجها، وكانت تلك القرية تبعد عن مدينة جدة ما يقارب 300كيلو تقريبًا، وتستغرق الرحلة بالسيّارة قرابة 4 ساعات هذا أقل تقدير. تمَّ بعد ذلك تم تحديد يوم السفر إلى القرية وكان وقت المُغادرة في الظهيرة.

كان والدي لا يعرف كيف يقود السيّارة حينها ولا يزال؛ لذا استأجر لنا سيارة لتقٍلنا من جدة إلى القرية، وبالفعل تم حزم حقائبنا وأمتعتنا وانطلقنا برحلتنا تلك والتي كانت تضمّ أفراد أسرتي. كانت الطرق ذلك الوقت طرق وعرة بعض الشيء، وضيّقة وتتكوّن من مسار واحد فقط، هذا بالإضافة إلى وجود الماشية من الأبل وغيرها على امتداد الطريق، وعلى الرّغم من كل ذلك الخطر الذي يحيط بالطريق إلّا أن السفر عبر تلك الطرق له متعة خاصّة؛ كونك تستمتع بالبساتين التي تكسوها الخضرة، ومظاهر الحياة القروية الجميلة التي تتميّز بها منطقة الجنوب كما هو متعارف عنها .



بعد قطع مسافة كبيرة جدّا على ذلك الطريق وقبل فناء الغروب بقليل ، رأينا معالم قرية والدي من بعيد، سارت بنا تلك السيارة بضع كيلومترات في ظلام الغروب الذي بدأ يخيّم على معالم الطريق. وصلنا بعد ذلك إلى قريتنا الهادئة، والتي كانت تتكون من عدة منازل متواضعة عبارة عن أعشاش تحيط بها أبنية من الطين. كان الهدوء يصمّ الآذان عدا أصوات صرير بعض الحشرات الليلية، في تلك الأثناء استقبلتنا العمة الطيّبة ذات الوجه الجميل المكتسي بالتجاعيد المحبَّبة والتي غزت مُحيَّاها استقبلتنا بترحابٍ بالغ جدًا هي وزوجها الطاعن بالسنّ.



وأدخلتنا إلى ذلك المنزل المكوّن من فناء، ويتوسط ذلك الفناء بناء صغير يُقال له "العشَّة" والعشَّة هي البيت التهامي الّذي تميّزت به تهامة وهو بناء من الماضي ولا يكاد يوجد في هذا العصر.

كان يوجد بذلك الفناء مجموعة من الأسِرّة الخشبية، متلاصقة بجوار بعضها البعض وبعض الطاولات بجانبها. قضينا ليلتنا تلك بجميل الأحاديث وروائع القصص التي كانت تحكيها لنا العمّة الطيّبة. بعد ذلك حان وقت النوم فتقرّر أن ينام والدي وزوج العمة في فناء المنزل على تلك الأسرّة الموجودة خارجًا، أمّا نحن أي والدتي وأخواتي والعمة فكانت العشَّة من نصيبنا أدخلتنا العمَّة إلى الداخل وكان يوجد بداخل تلك العشَّة سريرين فقط. طلبت العمَة من والدتي أن ننام أنا وهي على أحد تلك الأسرّة، وأخواتي على السرير الآخر، بينما العمَّة افترشت الأرض لتنام.

تأهب الجميع للخلود للنوم وكنت أنا من أول المتأهّبين للنوم من شدّة التعب والإرهاق ، وما إن وضعت رأسي على المخدّة إذ بي أسمع صوت خشخشة تصدر من سقف العشَّة الذي كان مكوّن من سيقان الأثل والعروج وجريد النخل.



حاولت أن أتجاهل ذلك الصوت وأن أنام عدا أن الصوت كان يزداد شيئًا فشيئًا، وكنت لا أعرف ما الذي يصدر ذلك الصوت؛ كون تلك العشَّة مظلمة إلّا من ضوء فانوس خافت لا يكاد يُرى. جلست طويلًا وأنا أسمع ذاك الصوت، الّذي أبى أن يهدأ، لم أتمكّن من النوم أمّا المجاورين لي بتلك العشّة فقد غطّوا بنوم عميق وكأنّهم أموات. لم أستطع الصمود أكثر من هذا. أيقظت والدتي وأخبرتها بأنني أسمع صوتًا يصدر من السقف، وأنني لا أستطيع النوم من ذلك الصوت، سمعت العمَّة همسنا أنا ووالدتي كون نومها خفيف كما قالت.

وكان وقع الكلمات التي قالتها العمَّة بعد استفسار والدتي عن ذلك الصوت، بمثابة الصاعقة التي هزّتني ولم أستطع بعدها النوم في تلك الليلة داخل تلك العشَّة أبدًا.

قالت العمًّة بما معناه أن الصوت الذي يصدر من السقف ماهي الا حيّة تعيش فوقه، وقالت أنّها صديقة لنا ولا تؤذي، وهي تعيش بالسقف منذ زمن طويل، ودائمًا عندما يسدل الليل أستاره تنسل بهدوء وتخرج من مخبأها وتصدر ذلك الصوت. ثم هدأتني وأخبرتني أنّ لا شيء يقلق.

أنهت العمَّة حديثها وأنا في صدمة، أبقتني في يقظة أترقّب انقضاض تلك الحيّة علينا بأي لحظة حتّى شروق الشمس، وعندها اختفى الصوت وكأنّها غادرت المكان، ومن تلك اللحظة أقسمت ألّا أنام بداخل تلك العشّة طوال فترة بقاءنا بالقرية.



تذكرت تلك القصّة وسألت نفسي أي زمن ذلك، الذي كان يعيش فيه النّاس مجاورين للأفاعي دون أن يكون هناك خوف أو توجّس منها، وتعيش معهم دون أن تؤذيهم.

كيف كان حال النّاس في تلك الفترة، وكيف كانت حياتهم بسيطة لدرجة أنّهم ينامون ملئ جفنهم والخطر يحدق بهم دون أن يكون هناك أي احتياطات لحماية أنفسهم، بعكس حالنا اليوم والذي أصبح الإنسان فيه يخشى ويخاف ويتوجّس من أخيه الإنسان.



كنّا نشبه النّاس بالأفاعي ولكن الأفاعي قد لا تكون كلّها مؤذية كأذى الإنسان لأخيه الإنسان. بعض البشر كالأفاعي لكن الفرق بينهما أن الأفعى تلدغ دون تخطيط وإنّما فقط دفاعًا عن النفس، بينما البشر يلدغون بعد مكرٍ وتفكير وتدبير، ويكونون أكثر تلونًا من الحيّة.

ما أقسى بعض البشر، فلولاهم لعاشت كل المخلوقات على هذه الأرض بأمان ومحبّة وسلام.

ما أجمل تلك الحيّة التي كانت تعيش بسقف تلك العشَّة منذ سنوات ولم تغدر وكم كانت مسالمة.

+ 0
 0  0  203
التعليقات ( 0 )

جديد المقالات

الكاتب الإعلامي: رائد العودة : سناب / RAED_70 :...


صوت المدينة - شهرزاد الفخراني تمر السنين...


بواسطة : اروى الفلاته

صوت المدينة - اكرم الغامدي في حب الوطن...


صوت المدينة - فوزية الشيخي لاحظت أن...


بواسطة : صوت المدينة

هدى الحربي اجتمعنا في مكانٍ واحد، نسعى لتحقيق...